المونديال…كرة قدم …سياسة …ثقافة و أشياء أخرى

تساوق ترشح المنتخب التونسي لكرة القدم، لأول مرة في تاريخه، مع بداية غرق الحبيب بورقيبة في بحر الشيخوخة الذي يصعب النجاة منه.  و لكن ذلك لم يمنعه من أن يؤكد حين استقبل بعثة المنتخب العائدة مما اعتبر سنة 1978 ” ملحمة الأرجنتين ” على ما يمكن اعتباره الآن أحد محركات التظاهرات الرياضية الكبرى و خاصة ” مونديال كرة القدم ” الذي يتربع على عرش التظاهرات حتى يكاد يصبح حدثا تجاوز العالمية إلى الكونية. لقد خاطب الحبيب بورقيبة البعثة قائلا ” لقد قمتم باشهار و دعاية لتونس تحتاج إلى مبالغ طائلة بفضل ادائكم “.
جرت مياه كثيرة تحت جسر كرة القدم منذ ذلك التاريخ إلى حد الآن و ساهمت في تكريس تعدد أبعاد كأس العالم لكرة القدم. هذه الأبعاد رافقت التظاهرة منذ ولادتها سنة 1930 و لكنها ما انفكت تتطور حتى تكاد تغطي على الجانب الرياضي .تكاد كرة القدم تتحول إلى مجرد ” تعلّة” أو في أفضل الحالات إلى ” قادح” لانصهار رهانات سياسية و ثقافية و اقتصادية كبرى خاصة و أن ” المونديال ” لا يؤمن في الجانب الرياضي بالصدفة أو الحظ و هو ما يجعل التداول على منصة التتويج منحصرا بين دول تمتلك ” احتكار ” الظفر بالكأس الأغلى في العالم و تتنافس من أجل تحسين رصيدها و سجلها فيها.
و يبدو أن هذا الأمر لم يكن غائبا عن قطر و هي تترشح لاحتضان كأس العالم ثم و هي تعلن منذ يومين عن إنطلاق ” مونديال قطر ” . ذلك أن منتخب قطر غير معني بأن يكون منافسا جديا على كأس العالم بل هو أبعد ما يكون عن الاقتراب من المربع الذهبي. و لكن قطر وظفت احتضان كأس العالم لكرة القدم لتحقيق أهداف أخرى.  هناك هدف استراتيجي، ان صح القول، و هو إثبات القدرة على الإبداع و الإنجاز. يرتبط هذا الهدف بإبراز التحولات التي عرفتها قطر و دول الخليج عموما و التي أدت إلى انتقال مركز الثقل الثقافي و الحضاري من المغرب و المشرق العربيين إلى الخليج العربي.  هذا التحول يستند إلى ظهور جيل من المتعلمين الذين تلقوا تعليما متخصصا في أرقى الجامعات الأمريكية و الأوروبية و عادوا لتأطير عملية انخراط مجتمعاتهم في الإقتصاد العالمي.  و يرتبط بهذا الهدف ما يتأكد من توجه الإقتصاد العالمي نحو ما يمكن تسميته إقتصاد المشهد و اللهو. و تكفي الإشارة هنا ما تقوم به إمارة دبي و مؤخرا المملكة العربية السعودية في هذا الإتجاه.
و يبدو البعد السياسي حاضرا في حضور عدد من رؤساء الدول في منصة إفتتاح المونديال. ليس ذلك أمرا مستجدا و لكن حضور المشير عبد الفتاح السيسي و الأمير محمد بن سلمان يحمل أكثر من دلالة حول ما يمكن أن تفتحه ” ديبوماسية المونديال” من آفاق و خاصة من تحولات.  إرهاصات التحولات سبقت المونديال بكل تأكيد و أخذت تبرز في المصالحة الخليجية و زادت الحرب الروسية على اوكرانيا في تأكيد الحاجة إليها و لكن يمكن أن تظهر أكثر بعد المونديال.
مناخ المونديال و التنمر الإعلامي الفرنسي بقطر إلى جانب الدعم الأمريكي للمونديال القطري مؤشر على أن باريس ستخسر صديقا اعتبرته أقل عناوين الصحف الفرنسية انخراطا في حملة التنمر الأخيرة ” صديقا مزعجا ” في حين ساهم من جهته في دعم الإقتصاد و الرياضة الفرنسية باستثمارات ضخمة .خسارة تضاف إلى خسائر فرنسا المتتالية في إفريقيا هذا دون أن ننسى تراجع استعمال اللغة الفرنسية في العالم.
قطر تريد أن تلعب  بعد المونديال دورا يختلف عن ذلك الذي لعبته في السنوات التي أعقبت منحها حق تنظيم التظاهرة سنة 2010. في تلك الفترة كانت الدوحة لاعبا مهما في حالة الاستقطاب العربي حول ” الربيع العربي ” و هو ما جعل الموقف منها في الرأي العام العربي مختلفا حسب الموقف من هذا ” الربيع” و أدواته. خطاب قطر يركز على أن ” المونديال ” هو مونديال العرب و هذه رسالة تحمل ابعادا و إشارات سياسية.  دعمت الدوحة هذه الرسالة بمواقف تؤكد التمسك بقيم تمثل أساس الثقافة العربية و رفضت تقديم تنازلات لسلوكيات تظل هامشية حتى في الثقافة الاورو- أمريكية. هذا الرفض خلق لقطر صورة إيجابية في وجدان قطاعات واسعة من العرب و المسلمين و أوجد لها أرضية تفتح لها أبواب لعب دور في المستقبل.
هشام الحاجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *