تونس و حالة الاستعصاء

حالة من الترقب المشوب بالخوف و الحذر تهيمن حاليا على الطبقة السياسية التونسية في ظل انتظار اقتراب ساعة الصفر التي حددتها المعارضة ليوم 14 جانفي الجاري. هذا الموعد اتفقت المعارضة على أنه يوم إسقاط النظام و الإطاحة بقيس سعيد. هذه الدعوات تثير مخاوف من إمكانية انزلاقات أمنية و الانزلاق نحو الفوضى .و لكن ما هو أهم هو النظر في قدرة المعارضة على تحويل ” رغباتها ” إلى أمر واقع.

هنا تختلف التوقعات حسب المواقع. ففي حين تعتبر أحزاب المعارضة أن قيس سعيد قد انتهى سياسيا و أنه تحول إلى عبء على حاضر التونسيين و مستقبلهم و أن شعبيته قد تراجعت بشكل لافت فإن أنصار قيس سعيد يعتبرون أن رئيس الجمهورية يواصل معركته ضد الفساد و أنه يحظى بدعم شعبي لم يتقلص و أن مربط الفرس ليس خوف المعارضة على الديمقراطية بل خشيتها من أن تؤدي حملة مكافحة الفساد إلى كشف انحرافاتها. و لا شك أن ” التوقع السليم ” يفرض تفكيك مكونات مشهد يبدو في ظاهره بسيطا و لكنه لا يخلو في باطنه من تشابك و تعقيد. ذلك أن قيس سعيد قد فقد الكثير من شعبيته و لكنه إستطاع في المقابل أن يغير الكثير من أدوات ” اللعبة السياسية ” و ” قواعدها” على مقاسه بعد أن عجز معارضوه عن إفشال إقرار الدستور الجديد و الحيلولة دون إجراء الانتخابات التشريعية علاوة على أنه يحظى بدعم أجهزة الدولة. و بصرف النظر عن كل التحفظات المبدئية فإن قيس سعيد يواصل الاستفادة خاصة من حالة القطيعة القائمة بين المعارضة و الرأي العام و من حالة تشتت المعارضة و المخاوف القائمة بين مكوناتها.

و لا ننسى أيضا أن الإتحاد العام التونسي للشغل له انتقادات كبرى لقيس سعيد و لكنه لا يريد قطع شعرة معاوية و لا يرغب في أن ينخرط في منطق الإطاحة برئيس الجمهورية و نزع الشرعية عنه.
و غالبا ما راهنت بعض أحزاب المعارضة على العامل الخارجي في إحداث ما تطمح إليه من تغيير. و هنا أيضا هناك نتوءات لا بد من الوقوف عندها. تبدو الولايات المتحدة الأمريكية الطرف الذي تراهن عليه بعض الأطراف المعارضة لمساعدتها على إزاحة قيس سعيد خاصة و أن العلاقات بين الرئيس التونسي و واشنطن متوترة. و لكن لا شيء يدل على أن الملف التونسي هو من أولويات واشنطن التي يبدو ان اهتمامها منصب حاليا على آسيا و الحرب بين روسيا و أوكرانيا علاوة على أن مصلحة واشنطن قد تكون في إبقاء الوضع على ما هو عليه استلهاما من كيفية تفاعلها مع الأزمات السياسية في كل من لبنان و العراق.

و لا يمكن بأي شكل التغاضي عن حالة العزلة السياسية التي يعرفها النظام التونسي و رئيسه قيس سعيد على المستوى الدولي و لكن ليست المعارضة بأفضل حال منه في الوقت الحالي. ذلك أن مواطن ” ارتكازها التقليدية” إقليميا و دوليا منصرفة إلى إعادة ترتيب أولوياتها سواء تعلق الأمر بتركيا الباحثة عن تموقع جديد إقليميا و دوليا أو البرلمان الأوروبي الذي كبلته حاليا قضية ” قطر غايت ” و فرضت عليه الانكفاء عن أداء دور خارج المجال الأوروبي.
يبدو ان المشهد السياسي التونسي محكوم بقاعدة توازن الضعف و هو ما يجعل تغيير مكوناته في المدى المنظور أمرا صعبا.

هشام الحاجي

شاهد أيضاً

تونس: إتحاد الشغل يقطع خط العودة مع رئيس الجمهورية

تونس – خاص . لم يبحث نورالدين الطبوبي؛ صباح اليوم، عن ألفاظ حمالة أوجه في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *