كي لا ننسى يوم الأرض 46 عاما من الوجع و الألم 30\3

بقلم / محمود جودت محمود قبها

46 عاما من الوجع، من الاشتياق الكبير للأرض الطيبة، من الدماء التي سالت ظلما واستمرت دون أن يوقف العالم هذا النزيف، سنوات من الإذلال و التهجير والاستيطان والتهويد، والبطش والعنصرية والطرد والإعدام والاعتقال وسرقة المياه والمحصول وما تبقى من الأرض.

تَحل علينا ذكرى يوم الأرض في الوقت الذي تمر فيه القضية الفلسطينية بمرحلة غاية في الخطورة وفي التعقيد، وفي ذات الوقت تمر هذه الذكرى المجيدة ونحن منقسمون متفرقون ليس لدينا إلا الأمل والسعي لِلم الشمل الفلسطيني وترتيب بيتنا الداخلي لنستطيع مواجهة المؤامرة الكبيرة التي يتعرض لها المشروع الوطني الفلسطيني لا أريد الحديث كثيرا عن هذه الذكرى المجيدة فهي تتحدث عن نفسها، تتحدث عن إرادة شعب أبى إلا أن يكون مدافعا عن أرضه متمسكا بها مقدما لها الغالي والنفيس. هذه الذكرى أعطت ولا زالت تعطي لنا الدروس في الانتماء والتضحية وحب البلاد.

في ذكرى يوم الأرض الخالد المضرج بالدماء الطاهرة الزكية ، والمتضمخ بطيب الأرض والشهداء، نستعيد وإياكم صفحات خالدات من تاريخ مشرق يتألق مجداً،  وعطاءً، ودماً ، وروحاً ، وتدفق شريان   … كانت ومازالت وستبقى أرضنا الفلسطينية تزهر بالياسمين ، وشقائق الدم، والأقحوان وزهر اللوز الأبيض وجلنار غير آبهة بهذه الدولة المارقة التي تدعى ( إسرائيل ) وبكل ما تخلفه من خراب ودمار، تزهر الطبيعة مدركة متيقنة أنّ كل ما يحدث فوق هذه الأرض الطهور من أمور تحاول الصهيونية الهمجية البغيضة أن تترك آثارها إنما هو مجرد صورة باهتة لعبور باهت، كان يوم الأرض ميلاد زهرة دم ، وفضاء أغنية ، وذهاب عشاق للأرض في عيد عشقهم لها. لذلك كان آذار وما زال عرس الشجر وبداية الربيع الفلسطيني وحكاية الأغنية التي لا تنام.

بات يوم الأرض أحد أهمّ أشكال إعادة تلاحم الشّعب الفلسطينيّ في كلّ أماكن وجوده، الذي يؤكّد من خلاله تمسّكه بأرضه، وتضحيته في سبيلها، وثباته من أجلها، واعتزازه بهويّتها، وعدم تفريطه بها، أيًّا كانت التّحديات والصّعاب، وبالتّالي فإنّ يوم الأرض هو ليس ذكرى فحسب، وليس مناسبة لنستذكر الشهداء ونترحّم عليهم، بل هو يوم كفاح ونضال، يؤكّد تمسّك الفلسطينيّين في الدّاخل والشّتات بأرضهم عدة أيام قليلة تفصلنا عن الذكرى ال46  ليوم الأرض الخالد في وجدان الشعب الفلسطيني منذ انطلاقته الأولى في 30 اذار عام 1976 حيث هب فلسطينيي الداخل دفاعا عن الأرض والحقوق الفلسطينية المهضومة في وجه الاحتلال الإسرائيلي الغاشم الذي استباح وما زال يستبيح حتى يومنا هذا الأرض والحقوق الفلسطينية وبالتالي كان يوم الأرض الاول بمثابة استشعار فلسطيني حقيقي لمخاطر واهداف الاحتلال التهويدية والاحلالية.

الأرض ستكبر بهم وأن آذار سيزهر بهم وأن الشجر سيعلن عرسه بهم ولهم .. كل وردة الشهيد ، وكل شهيد وردة ، وكل زهرة لعاشق فلسطيني وكل عاشق فلسطيني لزهرة .. تلبس الأشجار أزهى حلتها وترقص رقصتها الربيعية التي لا تشبهها أي رقصة ، لأنها رقصة الشهداء فرحاً بعيد الأرض ويوم الأرض وتفتح زهر الأرض على وعد الشمس بأن الإشراق لن يكون إلا على يديّ شهيد من شهدائها ، عاشق من عشاقها ، فالحرية لا تمنح نفسها بكل بهائها وجمالها وعلوها ورفعتها إلا لمن يستحق ، وليس هناك شعب في الأرض ضحى و أعطى وما زال يعطي ويعطي كشعب فلسطين .. منذ البداية أعلنها وما زال يعلنها لن تكون فلسطين إلا للحرية ولن تكون الحرية إلى فلسطين مهما طال الزمان لذلك دفع المهر غالياً وما زال يدفع وسيدفع على الطريق الطويل.. يرفع رأسه متطلعا إلى يوم نصره ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) .

يرجع أصل المناسبة إلى العام 1976، حين صادرت سلطات الاحتلال الإسرائيليّ نحو 21 ألف دونم (21 مليون متر مربع) من الأراضي الفلسطينيّة ذات الملكيّة الخاصّة أو المشاع، التي كانت تتميّز بأغلبيّة وكثافة سكّانيّة فلسطينيّة عالية، لإسكان المستوطنين مكانهم في المنطقة نفسها، ضمن مشروع أطلقت عليه مشروع “تطوير الجليل “حينذاك ثار الشّعب الفلسطينيّ في الأرض المحتلّة العام 1948 وفي عموم فلسطين كلّها، ونزل إلى الشّوارع وأعلن الإضراب العام، وأيضًا خرجت مسيرات من الجليل شمالاً إلى النّقب جنوبًا، واندلعت مواجهات استشهد خلالها ستّة فلسطينيّين برصاص الاحتلال، أسفرت عن يوم الأرض الذي حدّد لاحقًا، وعرف بهذا الاسم واشتهر به، ليشكّل في ضمير الشّعب الفلسطينيّ حدثاً محوريًّا في الصّراع على الأرض، وما زال هذا اليوم يتمتّع برمزيّة كبيرة في ضمير الشّعب الفلسطينيّ وكلّه، ولولاه لتمادى العدوّ أكثر في الاستيلاء على المزيد من الأراضي وقضمها، ولكنّ إرادة الشّعب الفلسطينيّ وضعت له حدًّا، وتصدّت له بقوّةٍ وعزمٍ واقتدارٍ.

وبهذه المناسبة الخالدة فإننا نتوجه بالتحية إلى أبناء شعبنا داخل الخط الأخضر الشوكة المغروسة في حلق الاحتلال وهم يؤكدون في كل يوم عروبة الأرض وهويتها، ومن خلالهم إلى أهلنا في القدس العاصمة حراس المقدسات ورمز تجذرا في الأرض، والى شعبنا في كافة أماكن تواجده كل التحية وهو يسطر صموده وإصراره أنصع صفحات المجد والعزة في تاريخ شعبنا وامتنا.

إن ما يواجهه شعبنا من تحديات جسام يفرض علينا المضي قدما في مسيرة انهاء الانقسام وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه دون تباطؤ او تقصير او تأجيل والتجهيز لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني ما امكن، لنبدأ مرحلة جديدة من وحدتنا الوطنية قائمة على تكامل أدوار الكل الوطني باعتبار ذلك أول متطلبات الصمود الفلسطيني، خصوصا في هذه المرحلة التي تزخر بالمتغيرات سواء في منطقتنا العربية بشكل خاص والعالم بشكل عام.

يوم الارض الاول عام 1976 لم يكن سوى محطه من محطات نضالية فلسطينية كثيرة لكن ما ميز هذا اليوم هو انه جاء تتويجا لتراكمات غضب ونضالات فلسطينيي الداخل  الذين ضاقوا “ذاقوا” ذرعا من ممارسات التهويد التي طالت وما زالت تطول وجودهم  الديموغرافي والجغرافي والتاريخي في وطنهم فلسطين..نعم فلسطين ولا تلاعب في هذه الحقيقة التاريخية الدامغة والثابتة وذلك  بالرغم من انه يوجد من بين ظهرانينا من خانتهم الذاكرة واستهوتهم مغريات الحياة السليبة وتأسرلوا مجانا وتعَّبرنوا تحت حجج ومصوغات كثيرة تبرر ضرورة العيش والمعاش على حساب غياب الوطن والوطنية وهؤلاء نحسبهم في الصف الاخر وليست في الصف الوطني الفلسطيني وعليه ترتب القول اننا سنتحدث عن ابطال الاحداث التاريخية وعن صانعي يوم الارض ومجد تاريخ الشعب الفلسطيني واول ما نُحيي ونترحم عليهم هم شهداء يوم الارض الاول عام 1976الذين سقطوا اثناء المواجهات وهُم :

  1. خير ياسين من عرابة.
  2. رجا أبو ريا من سخنين .
  3. خضر خلايلة من سخنين.
  4. رأفت الزهيري من نور شمس.
  5. حسن طه من كفر كنا.
  6. خديجة شواهنة من سخنين .

هذا إضافة لعشرات الجرحى والمصابين، وبلغ عدد الذين اعتقلتهم قوات الشرطة الإسرائيلية أكثر من 300 فلسطينيي ..الى كل هؤلاء الأبطال والشهداء  الذين اعتلوا سرج التاريخ وصنعوه ورفعوا راية النضال الفلسطيني عاليا نؤدي التحية لابل التحايا ونترحم عليهم جميعا باسم كامل شعب جمل المحامل..المجد والخلود للشهداء الابرار..الفاتحة على ارواحهم الطاهرة .

من هنا لابد لنا ان نُحيي ابناء وبنات الشعب الفلسطيني وطنا ومهجرا وأحرار امتينا العربية والاسلامية  بمناسبة ذكرى يوم الأرض ال45 وبمناسبة نضالهم المتواصل والمتعدد الأشكال ضد الغطرسة الصهيونية وعقلية الاستكبار والاحتلال وعنجهية القوة التي تمارسها سلطات الاحتلال الاسرائيلي ليس في مناطق الضفة الفلسطينية والقدس فقط لا بل ايضا في جميع مناطق تواجد فلسطيني الداخل من الجليل شمالا مرورا بالمثلث الشمالي والجنوبي ومناطق الساحل وحتى النقب جنوبا الذي يتعرض فيه فلسطينيي النقب الى ابشع اشكال الاضطهاد ومصادرة الأراضي وهدم البيوت والتمييز ومحاولة محو وجود أكثر من 45 قرية عربية في النقب..

جميع مناطق التواجد الفلسطيني في الداخل تعاني من التمييز والفقر والاكتظاظ السكاني وتفشي الجريمة بسبب سياسة الدولة الاسرائيليه العنصرية لا بل ان سلطات الاحتلال الإسرائيلي قد حوَّلت رقعة سكن  سكان المدن الفلسطينية “ما يسمى بالمدن المختلطة” الى جيتو يطلقون عليه اسم “الجيتو العربي”..جيتو في الرملة واللد ويافا الخ يعيش فيه العرب على هامش مدنهم المُهَّودة التي استولى عليها وعلى بيوتها” بيوت العائلات الفلسطينية التي تم طردها وتهجيرها قسرا عام 1948″ المستوطنين الصهاينة يوم الأرض نعم سيظل خالدا لأنه أبى أن يكون الاحتلال هو حقيقة، أبى أن ينسى أن الاحتلال هو من قتل وشرد وهجر وهدم ومحى عن الوجود قرابة (500) قرية وبلدة فلسطينية عام 1948 وما تلاها، يوم الأرض مجددا يدق ناقوس الخطر ويعلق الجرس ويقول إن لم تنهوا خلافاتكم وتتفقوا فإن الاحتلال سيقضم ما تبقى من هذه الأرض وسيواصل قتله وتهجيره وصولا إلى تحقيق حلمه في إقامة الدولة اليهودية من النيل إلى الفرات.

دولة الاحتلال ومن خلفها الحركة الصهيونية العالمية تعمل على تنفيذ خطة وضعت منذ العام 1897 لإقامة الدولة اليهودية من النيل إلى الفرات، وما كان مؤتمر بازل ووعد بلفور ومن ثم احتلال الجزء الأكبر من فلسطين عام 1948، واستكمال احتلال فلسطين وبعضا من الأراضي العربية عام 1967، ومن ثم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال والسادة “الإسرائيلية” على الجولان السوري المحتل إلا خطوات ضمن هذه الخطة وإذا ما بقي الوضع الفلسطيني والعربي على هذا النحو من التشتت ستستكمل الحركة الصهيونية خطتها ووقتها لن ينفع الندم بشيء ولن تعيد البيانات والتصريحات والخطابات شبرا واحد من الأرض العربية ولن تهدم “حلم” الصهيونية بدولتها من النيل إلى الفرات  46 عاما مرت ولازال التضييق، وسياسة الأبارتايد والطرد والضم وتدفيع الثمن أساليب صهيونية قديمة متجددة، واستهداف أهالينا في فلسطين التاريخية وتدمير القرى والممتلكات، لتغيير معالم التاريخ والشواهد على إرهاب الاحتلال، وإصدار القوانين التهويدية والتهجيرية، ومنها وبل أخطرها قانون .

ما زال يوم الأرض الفلسطيني مصدرا للتحدي وملهماً للإبداع في التعبير الشعبي والمدني ضد الاحتلال وممارساته، ويوماً تتوحد فيه كل القوى والفعاليات الفلسطينية تعلي الصوت بقوة الإنسان الباحث عن الحياة، و المتجذر بالأرض التي تجسّد لكل فلسطيني تلك الأم التي تحن وتعطف وتؤمن الحياة، والرزق والأمل في المستقبل لكل أبنائها، بما تحمل من معاني صادقة وقيم ومبادئ تنمي الأخلاق والانتماء للوطن الحر الديمقراطي، والذي يحلم به كل فلسطيني يعشق الحياة، ويتمنى أن يعيش آمنا مستقرا في وطنه متحررا من كل القيود، وسلاسل العبودية التي صنعها الاحتلال وذيوله في فلسطين ومنبراً شعبياً يجسد طبيعة وحالة الصراع والوجود على الارض، حيث يشارك في إحيائه كل مكونات المجتمع الفلسطيني أينما تواجد، بالأنشطة والفعاليات الوطنية والنضالية، في الأرض تشكل مصدرًا هامًا لتعزيز الانتماء والهوية الفلسطينية، وعلى مدار التاريخ في ذكرى يوم الأرض يعاد المشهد ويسقط الشهداء والتي تجاوزت المئات، في ظل تعاظم آليات البطش والقمع العسكرية للاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين من الشعب الفلسطيني الأعزل، وتعمد الطريق نحو الحرية بالدماء والاعتقالات ليسجل شعبنا جولة جديدة من نضالاته المستمرة .

سيظل 30 آذار يوما مميزا للنضال، و منبرا حرا تعلو فيه الأصوات والدعوات نحو الوحدة الوطنية والتماسك والثبات على الأرض، والتضحية من أجلها بالغالي والنفيس، وستظل الأرض عنوان الكرامة والرجولة والشهامة الفلسطينية ودعوة للوحدة الوطنية الصادقة، عاشت نضالات شعبنا وحتما النصر قادم لا محال بإذن الله، و يرفرف علمنا على مآذن وكنائس القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين المستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *